حبيب الله الهاشمي الخوئي
39
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بحال لا تبالي أن تجوع إذا شبع وتعطش إذا روى ، وتعرى إذا كسى . وجعل اللَّه تعالى ذكره رزقه في ثدي أمّه في إحداهما شرابه وفي الأخرى طعامه ، حتّى إذا رضع أتاه اللَّه عزّ وجلّ في كلّ يوم بما قدر له فيه من رزق ، فإذا أدرك فهمّه الأهل والمال والشّره والحرص ، ثمّ هو مع ذلك معرض الآفات والعاهات والبليّات من كلّ وجه ، والملائكة ترشده وتهديه ، والشّياطين تضلَّه وتغويه ، فهو هالك إلَّا أن ينجيه اللَّه عزّ وجلّ ، وقد ذكر اللَّه تعالى ذكره نسبة الانسان في محكم كتابه فقال عزّ وجلّ : * ( ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْناه نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناه خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ) * قال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري : فقلت : يا رسول اللَّه هذه حالنا فكيف حالك وحال الأوصياء بعدك في الولادة فسكت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم مليّا ثمّ قال : يا جابر لقد سألت عن أمر جسيم لا يحتمله إلَّا ذو حظ عظيم ، إنّ الأنبياء والأوصياء مخلوقون من نور عظمة اللَّه عزّ وجلّ ثناؤه يودع اللَّه أنوارهم أصلابا طيّبة وأرحاما طاهرة يحفظها بملائكته ويربّيها بحكمته ويغذوها بعلمه ، فأمرهم يجلّ عن أن يوصف ، وأحوالهم تدّق عن أن تعلم ، لأنّهم نجوم اللَّه في أرضه ، وأعلامه في بريّته ، وخلفاؤه على عباده ، وأنواره في بلاده ، وحججه على خلقه ، يا جابر هذا من مكنون العلم ومخزونه فاكتمه إلَّا من أهله . وفي توحيد المفضّل عن الصّادق عليه السّلام قال . وسنبتدئ يا مفضّل بذكر خلق الانسان فاعتبر به ، فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرّحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة الرّحم ، وظلمة المشيمة ، حيث لا حيلة عنده